الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
148
مناهل العرفان في علوم القرآن
الذي لا بد أن يكون أرجح منه ، حتى يعقل نسخه له . وعلى هذا يكون القياس المتأخر مبينا بطلان اقتضاء القياس المتقدم للحكم ، لا ناسخا له . نسخ الإجماع والنسخ به جمهور الأصوليين على أن الإجماع لا يجوز أن يكون ناسخا ولا منسوخا واستدلوا على أنه لا يجوز أن يكون ناسخا ؛ بأن المنسوخ به إما أن يكون نصا أو إجماعا أو قياسا . لا جائز أن يكون نصا ، لأن الإجماع لا بد أن يكون له نص يستند إليه ؛ خصوصا إذا انعقد على خلاف النص . وإذن يكون الناسخ هو ذلك النص الذي استند إليه الإجماع لا نفس الإجماع ولا جائز أن يكون المنسوخ بالإجماع إجماعا ؛ لأن الإجماع لا يكون إلا عن مستند يستند إليه من نص أو قياس ، إذ الإجماع بدون مستند قول على اللّه بغير علم ، والقول على اللّه بغير علم ضلالة ، والأمة لا تجتمع على ضلالة . ومستند الإجماع الثاني لا بد أن يكون نصا حدث بعد الإجماع الأول ، لأن ذلك النص لو تحقق قبل الإجماع الأول ما أمكن أن ينعقد الإجماع على خلافه ولا ريب أن حدوث نص بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم محال ، فما أدى إليه وهو نسخ الإجماع بالإجماع محال . ولا جائز أن يكون المنسوخ بالإجماع قياسا ، لأن الإجماع على خلاف القياس يقتضى أحد أمرين : إما خطأ القياس ، وإما انتساخه بمستند الإجماع وعلى كلا التقديرين فلا يكون الإجماع ناسخا ، واستدلوا على أنه لا يجوز أن يكون الإجماع منسوخا ، بأن الإجماع لا يعتبر حجة إلا بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وإذن فالناسخ له إما أن يكون نصا أو قياسا أو إجماعا . لا جائز أن يكون نصا ، لأن الناسخ متأخر عن المنسوخ ! ولا يعقل أن يحدث نص بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ولا جائز أن يكون الناسخ الإجماع قياسا لأن نسخ الإجماع بالقياس يقتضى أن يكون الحكم الدال على الأصل حادثا بعد الرسول وهو باطل . ولا جائز أن يكون الناسخ للإجماع إجماعا ، لما سبق . وأما قولهم : هذا الحكم منسوخ إجماعا ، فمعناه أن الإجماع انعقد على أنه نسخ بدليل من الكتاب أو السنة ؛ لا أن الإجماع هو الذي نسخه .